نخبة من الأكاديميين
171
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
تحري الحقيقة وصون الحقوق بالبينة والحجة . وإذا كان سبب الفتاوى الفقهية التي صدرت بسبب النازلة هو تخاصم يهودي ويهودية فإن هذا الاهتمام دليل على ما كان يوليه المجتمع الإسلامي والسلطة الإسلامية من اهتمام بأفراد هذه الطائفة والذود عن مصالحهم باعتبارهم أحد مكونات المجتمع الأندلسي . وما طلب المثول أمام القضاء الإسلامي واهتمام الجانب الإسلامي بهذا الطلب وتدوينه من بين الفتاوى التي أصبحت تتداول في الكتب الفقهية إلا دلائل تعبر عن حسن التعايش بين الجانبين وعن الترابط الذي كان بين المسلمين واليهود . ويبرز هذا الترابط بين الجانبين في الأندلس في مجموعة أخرى من النوازل التي تؤكد ما حصل في النازلة السابقة . ونبدأ بقضية سكن اليهود في أحياء المسلمين : لم يكن اليهود في بادئ الأمر يقيمون في أحياء خاصة بهم في ظل الحكم الإسلامي ولم يحدث هذا الأمر إلا في فترة متأخرة « 1 » . وموضوع السكن المشترك في الأحياء داخل المدن يوضح لنا العلاقة بين الجانبين بشقيها السلمي الهادئ أو المتوتر . فلم يكن المسلمون يرون غضاضة في أن يسكن يهودي في حي واحد معهم دام يحترم دينهم بما يحرمه من شرب للخمر وغير ذلك من إتيان المحرمات التي قد تثير مشاعرهم « 2 » . وتقودنا معلومات هذه النوازل عن السكن المشترك داخل الحي إلى الالتفات إلى مجموعة من النصوص التاريخية التي تتضمن معلومات هامة عن العلاقة بين الجانبين . تشير معلومات الأيام الأولى لفتح الأندلس إلى تلك العلاقة الودية التي نشأت بين الطائفتين ؛ من ذلك المساعدة التي قدمها اليهود للمسلمين عند إخضاعهم للأندلس . ولعل من بين أولى البوادر التي أثلجت صدور اليهود عند وصول المسلمين بادرة إنهاء سكن اليهود خارج المدن ، حيث تم ضمهم إلى الحواضر من قبيل ما فعله موسى بن نصير في إشبيلية أو البيرة . ولم يتوقف الأمر عند هذه المسألة بل نجد أن الجيش الإسلامي كان يترك حامية عسكرية مع اليهود داخل المدينة « 3 » . ومن المحتمل أن ترك الحامية العسكرية مع اليهود داخل المدينة كان بسبب الوضع الجديد الذي جاء به المسلمون إلى البلاد بإسكان هذه الطائفة داخل الحواضر . ولا شك أنه كان من بين مهام الحامية تثبيت السلطة الإسلامية وحماية الطائفة اليهودية العنصر الجديد الذي أُسكن داخل المدن . بل نجد أن مغيث الرومي « 4 » اتخذ منهم جنودا لحماية قرطبة « 5 » . ومن طريف العلاقات المتبادلة بين الجانبين أن نجد بعد توطيد الحكم الإسلامي في الأندلس أن اليهود قدموا الحماية للمسلمين الذين كانت تطاردهم السلطة الحاكمة . من ذلك ما حدث في قرطبة بعد ثورة الربض « 6 » أيام الأمير الحكم بن هشام المعروف بالربضي « 7 » الذي أمر بالقبض على طالوت بن عبد الجبار المعافري « 8 » ، وهو أحد أعيان المدينة وأحد فقهائها ، فما كان منه إلا أن " استتر عند رجل من اليهود عاما حتى سكنت الأحوال وذهبت النائرة " « 9 » ويتضح بجلاء أن اليهودي خاطر بنفسه وبأهله في عمله هذا ، غير أن ما يوفر لنا صورة مميزة عما قام به اليهودي يتمثل في السبب الذي من أجله قدم اليهودي الحماية في داره لطالوت ؛ إذ قام بذلك لأنه " حفظ فيه مكانه من الدين والعلم " « 10 » إن الأمر هنا لا يدعو إلى تعليق فالعلاقة كانت طيبة وودية ويكسوها
--> ( 1 ) - الزعفراني ( 1996 ) ، ص 37 . ( 2 ) - ابن رشد أبو الوليد محمد ، فتاوى ابن رشد ، تحقيق المختار بن الطاهر التليلي ، بيروت ، دار الغرب الإسلامي ، 1987 ، ج 1 ، ص 605 - 606 ؛ البرزلي ، ج 2 ، ص 19 ، ج 4 ، ص 450 ؛ الونشريسي ، ج 8 ، ص 433 وص 434 وص 437 . ( 3 ) - مجهول ، أخبار مجموعة في فتح الأندلس ، تحقيق إبراهيم الأبياري ، القاهرة ، بيروت ، 1404 / 1981 ، ص 22 وص 25 ؛ عنان محمد ( 1969 ) ، دولة الإسلام بالأندلس من الفتح إلى بداية عهد الناصر ، القاهرة ، ص 22 وص 25 ؛ ص 31 - 32 ، وص 50 ؛ Suarez Fernandez Luis ( 1983 ) , Les Juifs espagnols au moyen age , Gallimard p . 42 - 44 ; الزعفراني ( 1996 ) ، ص 30 . ( 4 ) - مغيث الرومي مولى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك ، أحد القادة العسكريين ، صاحب طارق بن زياد وعمل تحت إمرته وكان له دور في مجموعة من العمليات العسكرية خلال فتح الأندلس ؛ انظر ما يقدمه حسين مؤنس عن الأعمال التي اضطلع بها مغيث في : فجر الأندلس ، العصر الحديث ، دار المناهل ، بيروت ، 2002 . ( 5 ) - الزعفراني ، ( 1996 ) ، ص 30 . ( 6 ) - الربض تعني الضاحية ، وثورة الربض أو هيج الربض هو ما قام به أهل ربض قرطبة ضد الحكم بن هشام سنة 202 ه - / 817 م وكان سبب الثورة المطالبة بالعدل وحسن تدبير الأمور . وانضم إلى الثوار صغار الفقهاء وكبارهم ؛ وكان من كبار الفقهاء يحيى بن يحيى الليثي وطالوت بن عبد الجبار المعافري وعيسى بن دينار . وتمكن جيش الحكم رغم شدة بأس أهل الربض أن يقضي على الثوار بشكل رهيب . ثم قرر الحكم طردهم من الأندلس وكانوا من خيرة أهلها ؛ فهاجرت طائفة منهم إلى إقليم طليطلة وشمال غرب الأندلس ، وهاجرت فئة أخرى إلى فاس وعمروا عدوة الأندلسيين في هذه المدينة ، وهاجرت أخرى إلى الإسكندرية ثم إلى جزيرة أقريطيش " كريت " حيث أسسوا إمارة إسلامية بها بعد أن طردوا البيزنطيين منها سنة 212 ه - / 827 م . وظلوا يحكمونها حتى استعادها البيزنطيون سنة 350 ه - / 961 م . وندم الحكم الذي أصبح يلقب منذئذ بالحكم الربضي على ما فعله بأهل الربض ؛ انظر على سبيل المثال : ابن الأبار أبو عبد الله محمد بن عبد الله ، الحلة السيراء ، تحقيق حسين مؤنس ، القاهرة ، الشركة العربية للطباعة والنشر ، 1963 ، ج 1 ، ص 43 - 50 ؛ وابن سعيد المغربي ، المغرب في حلى المغرب ، تحقيق شوقي أبو ضيف ، القاهرة ، دار المعارف ، ط . الرابعة ، 1993 ، ج 1 ص 38 - 45 ؛ عنان ( 1969 ) في دولة الإسلام بالأندلس من الفتح إلى بداية عهد الناصر ، ص 243 - 253 ؛ حسين مؤنس ( 1980 ) ، معالم تاريخ المغرب والأندلس ، القاهرة ، دار ومطابع المستقبل ، ص 278 - 279 ؛ وكذلك أحمد إبراهيم الشعراوي ( 1994 ) هياج الربض : ثورة شعبية على الحكم الأموي في الأندلس ، ضمن الأندلس الدرس والتاريخ ، دار المعرفة الجامعية ، ص 37 - 59 ، وكذلك خليل إبراهيم الكبيسي ( 2004 ) دور الفقهاء في الحياة السياسية والاجتماعية في الأندلس في عصر الإمارة والخلافة ، بيروت ، دار البشائر الإسلامية ، ص 145 - 156 . ( 7 ) - الأمير الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية ( 180 - 206 ه - / 796 - 822 ) لقب بالربضي نسبة إلى ثورة الربض . يوصف بالشدة والصرامة ، وهو ما برز في عمليات التقتيل الرهيب الذي أمر به عند ثورة الربض . وندم الحكم ، كما سبقت الإشارة ، ندما شديدا عما فعله بأهل الربض ؛ أنظر على سبيل المثال : ابن الأبار ، الحلة السيراء ، ج 1 ، ص 43 - 50 ؛ وابن سعيد ، المغرب ، ج 1 ص 38 - 45 ؛ عنان ( 1969 ) ، دولة الإسلام في الأندلس من الفتح إلى بداية عهد الناصر ، ص 230 - 253 . ( 8 ) - طالوت بن عبد الجبار المعافري أحد الفقهاء المالكيين من أهل قرطبة ، ساند ثوار الربض مع عدد من الفقهاء من بينهم الفقيه يحيى بن يحيى الليثي وعيسى بن دينار . وبعد القضاء على الثورة استخفى طالوت عند أحد يهود قرطبة بينما هرب يحيى بن يحيى إلى طليطلة . وقد عفى الأمير الحكم عنهما ؛ انظر ابن القوطية أبو بكر محمد ، تاريخ افتتاح الأندلس ، تحقيق إبراهيم الأبياري ، القاهرة ، بيروت ، 1402 / 1982 ، ص 70 ؛ ابن سعيد ، المغرب ج 1 ، ص 43 . ( 9 ) - ابن القوطية ، تاريخ ، ص 70 . ( 10 ) - نفسه ، ص 72 .